أحمد فارس الشدياق
57
الواسطة في معرفة أحوال مالطة
وفي المدينة أيضا عدّة حوانيت مشحونة بأصناف الكتب ليس فيها خرم ولا نقصان ، ويمكن أن يقال إن الكتب بأوروبا أرخص ما يكون لا جرم أن المولع عندهم بالعلوم مع سعة ذات اليد لأسعد الناس ، لأنه إذا شاء أن يتعلّم أيّ فن كان وجد له فيه شيخا ، ولأن الكتب والأدوات اللازمة لذلك الفن حاضرة عتيدة يجدها بأهون سعي ، ولا يخشى في الكتاب خرما كما ذكرنا ولا تحريفا ، فكل كتبهم مصحّحة ، ولأن المدارس الوقفية تعلّم فيها العلوم مجانا أو يعطى في مقابلة ذلك شيء زهيد ، فطالب العلم في مالطة يعطى في الشهر شلينين ونصفا ، وطالب اللغة شلينا واحدا ، ولعمري إنّ طالب العلم في لغتنا لو لم يصدّه عن المطالعة إلا تعذّر وجود نسخة صحيحة لكفاه ذلك عذرا فضلا عن نصبه وحرمانه وخموله . وفي فالتة سبع مطابع إحداها للميري « 49 » تطبع فيها الأوامر والنواهي التي تصدر من ديوان الحكم ، والباقي للأهلين ، وفيها أيضا دار لصحف الأخبار الواردة من أوروبا ، وداران للصرف توضع فيها الأموال ، ومنارة فيها فانوس كبير لهداية السفن ، وعدة مكاتب للصبيان والبنات يعلم فيها القراءة والكتابة والحساب والتطريز والخياطة ، وغير ذلك . غير أنّ الأولاد تغلب عليهم لغتهم وتمنعهم عن التكلّم بغيرها إذ كانت هي اللغة الغالبة ، وإلى الآن لم يعلم من نساء مالطة من نبغت في المعارف والتأليف ، فغاية ما يتعلّمن إنّما هو أن يقرأن بعض كتب كنائسية . وقد كان في السابق دار معدّة لتلقي النغول « 50 » ، وتربيتهم ، وقد بطلت الدار وبقيت عادة النغول وعادة التبني من اليتامى . وفيها ثلاثة مستشفيات أحدها للعسكر والثاني للرجال والثالث للنساء . ومن لم يكن لها مأوى تأوي إلى هذا المستشفى وتمكث فيه ما شاءت ، وبخارجها أيضا أربعة أخرى أحدها للمجانين ، وأكثر جنون أهل مالطة يكون عن وساوس في الدين ، وقد رأيت فيه عجوزا تهذي وتقول : اليوم عيد كما أمر بذلك القسيس ، والثاني للمرضى من العساكر البحرية ، والثالث للفقراء ، والرابع للطاعنين في السن العاجزين عن تحصيل معاشهم المادين لوداع الدنيا يدا والمغمضين عن
--> ( 49 ) يستخدم الشدياق كلمة الميري للدلالة على ما نسميه اليوم : حكومي ، أو رسمي . ( م ) . ( 50 ) النغول : جمع نغل : ولد الزنى . ( م ) .